السيد محسن الحكيم
تقديم 27
دليل الناسك
المعيشي المتواضع ، الذي يدنو في مجمل تفاصيله من الفقراء ، ويبتعد عن الأبهة ، والفخامة ، والكبرياء . كل ذلك والأموال تجري بين يديه ، والظروف مواتية ، والمقام رفيع ، والانفاق على الآخرين واسع ، وفرص الانتفاع أو الاستمتاع متوفرة دون حراجة ، بل كان بعض حاشيته أو متعلقيه أو الطلبة والأفاضل أو مؤسساته ، تحصل على مستوى أعلى بكثير من هذا المستوى من العيش . لقد كان ( زهدا ) دون تكلف ، حتى تحس بأن الزهد تحول إلى طبع عادي له ، يمارسه بين الناس وكأنه ليس منهم ، ودون أن يشعروا بانفصاله عنهم ، ويلتزم به دون أن يشعر الآخرون بالحرج من هذا الالتزام ، ويربي عليه أهل بيته ، لأنه خلق رفيع دون أي ضغط أو عنت . وهذا هو الزهد الاسلامي ، حيث يسير على حياة الانسان في تفاصيل كثيرة ، ودائرة شاملة ، دون تكلف أو عناء ، وذلك عندما يتخلق الانسان به يصبح ملكة له ، فالزهد ليس مجرد مظهر من مظاهر الانسان ، أو مجرد عزلة وعزوف عن الدنيا والحياة الاجتماعية ، وإنما هو خلق انساني رفيع يتعامل به الانسان إيجابيا مع الحياة الدنيا ، يحولها إلى مزرعة مثمرة للآخرة ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) ( 1 ) . الثاني : الاقتصاد في الانفاق مع استيفاء المنفعة ، وتحقيق الغرض ، والاحتفاظ بماء الوجه ، والالتزام بالحدود الشرعية . لقد كان هذا الاقتصاد يبدأ من نفسه في تفاصيل حركته وعلاقاته ، ولكنه نراه أيضا يتجسد في أشياء كثيرة معبرة عن المنهج ، حتى البسيط منها كماء وضوئه الذي كان يحرص على عدم الاسراف فيه . والأوراق التي كان يستخدمها يقتصد فيها في الانفاق ، حيث يقتطع باقي الرسائل المسودة ليكتب عليه الوصولات المالية ، أو بعض المذكرات ،
--> ( 1 ) الحديد / 23 .